السعيد شنوقة
146
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الأسامي أفادت أنها آلة فيما دخلت فيه كقولهم : مشيت برجلي ، وكتبت بقلمي ، والبصر ليس بآلة في إدراك الحرارة إذ الخيشوم يشاركه في ذلك ، فلو كان آلة فيه لم يجز فيه ذلك ، ألا ترى أن البصر لما كان آلة في الرؤية لم يشاركه فيه آلة السمع وغيره من الحواس » « 1 » ، وعلى هذا فالإدراك على معنى الإطلاق يصح إذا لم يكن مقرونا بالبصر ، وأما إذا قرن به زال الاحتمال عنه واختص بالرؤية بالبصر ، فإن صح هذا فإنّ قوله سبحانه : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] معناه لا تراه . يظهر مما أشار إليه أيضا بعض الدارسين « 2 » أن فكرة القاضي عبد الجبار تطرح تمييزا بين « أدرك » عند الإطلاق وبينها عند تقييدها بالنظر ، وهذا يكشف عن أن اللفظ يصبح ذا معنى محدد من خلال التركيب والسياق . غير أن الآية قد تطرح قضية أخرى هي كيف يدرك هو الأبصار ؟ قال القاضي عبد الجبار : « فإن المراد بالأبصار المبصرون إلا أنه تعالى علق الإدراك بما هو آلة فيه وعنى به الجملة . ألا ترى أنهم يقولون : مشت رجلي ، وكتبت يدي ، وسمعت أذني ويريدون الجملة ، وعلى هذا المثل السائر « يداك أوكتا وفوك نفخ » « 3 » ثم أضاف : « وبعد فإن المراد بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] المبصرون بالأبصار ، فكذلك في قوله : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، فيجب أن يكون هذا هو المراد بكون النفي مطابقا للإثبات ، والله تعالى ليس من المبصرين بالأبصار » « 4 » ، وقد فسر الزمخشري « الأبصار » بالمدركين . قال : « ولا يدركه مدرك » « 5 » . وهكذا يكون معنى الآية الكريمة أن المبصرين لا يدركون الله غير أن الله تعالى يدركهم ، وينتج عن تأويل الأبصار بالمبصرين اقتضاء هو أن يرى الله نفسه لأنه من المبصرين . بيد أن المعتزلة يردون عقليا هاهنا أيضا « وثبت أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر ، ونجد في ذلك تمدحا راجعا إلى ذاته ، وما كان من نفيه تمدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا ، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال » « 6 » سواء في الدنيا أم في الآخرة .
--> ( 1 ) م ن ، ج 1 ، ص 163 - 164 . ( 2 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 195 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 168 . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص ، 169 . ( 5 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 41 . ( 6 ) م ن ، ج 1 ، ص ، 162 وكذا الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص ، 308 لكن الصحابة فسروا قوله -